جلال الدين السيوطي
42
معترك الاقران في اعجاز القرآن
والثاني - أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة - واحدة ، ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة والآخر في غاية السواد ، فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار ؛ فعلمنا أن المؤثر قادر مختار . وهذا هو المراد من قوله « 1 » : « وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » . كأنه قال : اذكر ما يرسخ في عقلك أن الواجب « 2 » بالطبع والذات لا يختلف تأثيره ، فإذا نظرت حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع ، بل الفاعل المختار ؛ فلهذا جعل مقطع الآية التذكر . ومن ذلك قوله تعالى « 3 » : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ . . . » الآيات . فإن الأولى ختمت بقوله : « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » ، والثانية بقوله : « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » . والثالثة بقوله : « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » ؛ لأن الوصايا التي في الآية الأولى إنما يحمل على تركها عدم العقل الغالب على الهوى ؛ لأن الإشراك باللّه لعدم استكمال العقل الدال على توحيده وعظمته . وكذلك عقوق الوالدين لا يقتضيه العقل لسبق إحسانهما إلى الولد بكل طريق . وكذلك قتل الأولاد من الإملاق مع وجود الرازق الحي الكريم ؛ وكذلك إتيان الفواحش لا يقتضيه عقل . وكذلك قتل النفس لغيظ أو غضب في القاتل ؛ فحسن بعد ذلك يعقلون . وأما الثانية ، فلتعلقها بالحقوق المالية والقولية ؛ فإن من علم أن له أيتاما يخلفهم من بعده لا يليق به أن يعامل أيتام غيره إلا بما يجب أن يعامل به أيتامه . ومن يكيل أو يزن أو يشهد لغيره لو كان ذلك الأمر له لم يحب أن يكون فيه خيانة
--> ( 1 ) النحل : 13 ( 2 ) في البرهان : أن الموجب . ( 3 ) الأنعام : 151 ، 152 ، 153